ابن تيمية

63

مجموعة الرسائل والمسائل

باطل مخالف للسنة والإجماع ، ولهذا اتفق المسلمون على أن كل أحد من الناس يؤخذ من قوله ويترك إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم وإن كانوا متفاضلين في الهدى والنور والإصابة ، ولهذا كان الصديق أفضل من المحدث ، لأن الصديق يأخذ من مشكاة النبوة فلا يأخذ إلا شيئاً معصوماً محفوظاً ، وأما المحدث فيقع له صواب وخطأ ، والكتاب والسنة تميز صوابه من خطئه . وبهذا صار جميع الأولياء مفترقين إلى الكتاب والسنة ، لا بد لهم أن يزنوا جميع أمورهم بآثار الرسول ، فما وافق آثار الرسول فهو الحق وما خالف ذلك فهو باطل وإن كانوا مجتهدين فيه والله تعالى يثيبهم على اجتهادهم ويغفر لهم خطأهم . ومعلوم أن السابقين الأولين أعظم اهتداء واتباعاً للآثار النبوية فهم أعظم إيماناً وتقوى . وأما آخر الأولياء فلا يحصل له مثل ما حصل لهم . والحديث الذي يروى " مثل أمتي كمثل الغيث لا يدرى أوله خير أو آخره " قد تكلم في إسناده ، وبتقدير صحته إنما معناه بما في آخر الأمة من يقارب أولها ( 1 ) حتى يشتبه على بعض الناس أيهما خير كما يشتبه على بعض الناس طرفا الثوب ، مع القطع بأن الأول خير من الآخر ولهذا قال " لا يدرى " ومعلوم أن هذا السلب ليس عاماً لها فإنه لا بد أن يكون معلوماً أيهما أفضل . ثم أن هذا خاتم الأولياء صار مرتبة موهومة لا حقيقة له وصار يدعيها لنفسه أو لشيخه طوائف ، وقد ادعاها غير واحد ولم يدعها إلا من في كلامه من الباطل ما لم تقله اليهود ولا النصارى ، كما ادعاها صاحب الفصوص ، وتابعه صاحب الكلام في

--> ( 1 ) فيه معنى آخر ، وهو أن هذا الخير في المتأخر نسبي وهو أن القليل منه يعد كثيراً بالنسبة إلى فساد زمنه . ويدل عليه أحاديث : منها أنه عندما يجاهر الناس بالزنا في الطريق يقول قائلهم : ما ضر هذين لو استترا وراء هذا الجدار - وهو يعد كأبي بكر وعمر فيكم